23 نوفمبر, 2009

عن ترشيح البرادعي ...و حبل جحا

الانتخابات الرئاسية:...و مازالت عقدة المخلص مستمرة

في مفاجأة لم تكن متوقعة ألقى الرئيس المنتهية ولايته للوكالة الدولية للطاقة النووية محمد البرادعي حجرة في المياه الراكدة في الحياة السياسية المصرية بتصريحه- الذي نقلته رويترز- في مقابلة بثتها شبكة السي ان ان الأمريكية أنه لا يستبعد خوض الانتخابات الرئاسية في مصر بشرط وجود ضمانات اساسية على ان الانتخابات المقررة في 2011 ستجرى بصورة سليمة قبل ان يوافق على خوضها.لم يكن التصريح اكثر من إشارة إلا أن الأمر لم يحتج أكثر من ذلك ليكون سببا في نقاش و جدال لا زال مستمرا حتى الآن .


مقال البداية
في مقال بجريدة صوت الأمة كتب الشاعر عبدالرحمن يوسف تحت عنوان "البرادعي رئيسا،لماذا؟ و كيف؟" مؤيدا لخطوة البرادعي بشدة و أورد عشرة أسباب تجعل البرادعي-في نظره-رئيسا للجمهورية لمرحلة انتقالية كما سماها عبدالرحمن يوسف.منها أنه خبير في العلاقات الدولية و ادار العديد من المعارك الدبلوماسية شديدة الحساسية بحكم منصبه كرئيس لوكالة الطاقة النووية فلا حديث هنا عن قلة خبرة الرجل السياسية.الحقيقة ان هذا الكلام قد يكون في مهام دبلوماسية تحتاج دور "المحلل" كما هو الدور الغالب للوكالة الدولية( و هو ما يتم تحميله أكبر من حجمه حين توجه الانتقادات له و لمن يديروه و على رأسهم البرادعي بأنهم من الأسباب التي ادت لاحتلال العراق) لكننا لا نعرف أية مواقف واضحة للبرادعي من أي من القوى العظمى أو الإقليمية انطلاقا من كونه مصري لا يستبعد ترشيحه للرئاسة لا من كونه رئيس لوكالة الطاقة النووية فمثلا نحن نعرف موقفه من إيران بحكم منصبه لكن ماذا عن العلاقة من موقع رئيس مصر؟ ماذا عن المنافسة و مناطق النفوذ؟ إن هذا السبب الذي يعده كاتب المقال ميزة ثامنة بينما أعده إبهاما يحتاج لتوضيح فعلى الأقل نحتاج معرفة مواقف الرجل و خططه المستقبلية و تصوره لسياسة مصر الخارجية بدلا من الحديث عن أننا لا يجب أن نخشى على الرجل لأنه يعمل في السياسة منذ فترة طويلة! كما أن رضا الدول الكبرى عنه كرئيس لوكالة الطاقة النووية لا يجعلهم يرضون عنه كرئيس للجمهورية إلا إذا كان سيقدم تنازلات اكثر من التنازلات المؤلمة التي يقدمها النظام المصري بسخاء.

كذلك الحديث عن أن البرادعي في الوسط بين جميع التيارات فهو نتيجة غموض البرادعي أو عدم خوض البرادعي في الشأن الداخلي المصري أو في القضايا التي تخص المصريين بالصورة التي تجعلنا نعرف فكره بدقة و هذا للأسف ما يعده عبدالرحمن يوسف ميزة خامسة لترشيح البرادعي! قد أتفهم الكلام عن أن الرجل لم تورط في أي من خطايا النظام الحالي لكن أن يكون مغيبا كذلك عن أدق تفاصيل الواقع المصري فهو أمر يُعد نقصا فادحا و ليست ميزة نفرح بها فحديثه البسيط عن التعليم في برنامج العاشرة مساء رفض البرادعي فكرة مجانية التعليم الجامعي و أراد أن يكون الأمر مثل جامات الخارج بطلب قرض أو خلافه للتعليم حتى تستطيع الجامعات أن تنهض و تقوم بدورها و بغض النظر عن اتفاقنا و اختلافنا مع هذا الكلام،هل يعرف الشعب المؤيدون منهم و المعارضون هذا؟
هل ناقشوا هذا؟

إلى جانب تأكيد الكاتب على أن البرادعي رجل معروف و تم تلميعه إعلاميا بسبب حصوله على جايزة نوبل مما يجعله عصيا على التشويه الإعلامي من جهة و قريبا من الشعب متجاوزا التقيد بكونه قريبا من النخب فقط.
هنا اريد أن أسأل،إذا سلمنا بالفعل أن البرادعي رجل معروف للجميع فبأي شهرة؟
أنه رجل حاصل على جائزة نوبل و للمفارقة أن الكثير من الشعب الذي يقول عبدالرحمن يوسف أنه قريب من البرادعي يظن أن البرادعي عالم ذرة مرموق! غير عالمين أن البرادعي تخرج في كلية الحقوق جامعة القاهرة في عام 1962. وبدأ عمله في وزارة الخارجية المصرية في عام 1964 في (إدارة الهيئات) التابعة للوزارة التي كان يديرها آنذاك إسماعيل فهمي. وقد تدرج البرادعي في المناصب لنجاحه كقانوني ودبلوماسي متعقل، ونيله ثقة مدير (إدارة الهيئات) بالخارجية، حتى جاءته فرصة للالتحاق بالبعثة المصرية في نيويورك. فانتهز الفرصة وسافر البرادعي مع البعثة المصرية إلى نيويورك، وبعد حصوله على الدكتوراه من الولايات المتحدة وعودته إلى مصر في عام 1974 عمل كمساعد لإسماعيل فهمي (وزير الخارجية آنذاك) و امتد بالرجل المشوار السياسي من العمل بالخارجية إلى المحافل الدولية حتى وصل غلى منصبه الأخير لكن بالرغم من هذا تجد الكثير من فئات الشعب يتحدثون عن أن العلماء لا يصلحون للرئاسة مثل زويل و ..البرادعي!ناهيك عن الأسباب غير المقنعة التي ساقها الكاتب من أن البرادعي مدني و أن سنه كبير فبالتالي لن يكون حريصا على البقاء في الحكم و ها نحن نرى مشروع التوريث يروج لرئيس مدني و امامنا مثال حي على تشبث الحكام كبار السن بالحكم!

تأييد إلكتروني
لم يقتصر الأمر على مقال الشاعر عبدالرحمن يوسف بل دشن العيد من أعضاء الفيس بوك و منهم عبدالرحمن يوسف بعض المجموعات التي تطالب بالدكتور البرادعي رئيسا للجمهورية وصل ببعضها أن كتبت في توصيفها :عفوا السيد محمد البرادعي "فان اختيارك لرئاسة مصر لا يعد شرفا يمكنك الاعتذار عنهبل يعتبر تكليفا من الشعب انه الطريقة الوحيدة لانقاذ مصر من الفوضى و الخراب ، واجب انقاذ الوطن لا توجد فيه خيارات اننا كمصريين نعلن تكليفنا للدكتور البرادعي بانقاذ مصر و الترشح للرئاسة 2011 تحت اي حزب مؤقتا حتى تعديل الدستور و الخروج من الازمة" و لم تختلف التعليقات على الفيس بوك في الغالب بين المؤيدين عن هذه المفردات. هناك مجموعة أخرى ربما الأكبر من عدد الأعضاء حتى الآن أسسها الشاعر عبدالرحمن يوسف ارادت الاصطفاف خلف البرادعي لكنها لم تستطع التخلص من الأجندة كاملة فنرى الحديث عن تقييم النظام الحالي و ملف التوريث دون كلمة واحدة عن رؤية الرجل و برنامجه و اهدافه ،فقط الاقتصار على تصريح البرادعي بعدم استبعاده للترشح مع وضع شرط تعجيزي لا أدري كيف يتم ضمانه كتابيا كما تعجب الأستاذ فهمي هويدي متحدثا عن اعتقاده بأن النظام سعيد جدا بترشيح البرداعي و سعيه لاستغلال هذا الأمر ليستكمل فيلم الانتخابات الرئاسية الهزيل. لكن تم وضع كل هذا الزخم من كشف حساب عمره أكثر من ربع قرن و ملف التوريث كرصيد لدعم البرادعي و تحفيز الشعب من أجل الالتفاف حوله كرئيس قادم لمصر سيعيد لنا الأمل او كما قال أحد المعلقين على الفيس بوك أن البرادعي سيدعم الديمقراطية و التعددية و الحرية التي يريدها الشعب.

السياسيون أيضا

السياسيون كذلك لم يفوتوا الفرصة فهناك اللجنة الشعبية في حزب الوفد لتأييد البرادعي التي رأت أن دخول البرادعي من بوابة الوفد يجعله يتخطى العديد من العقبات القانونية و بنت برنامجا لها-كما نقلت الدستور- على ثلاثة مراحل من تحفيز الشعب و حشد التأييد لاستخراج بطاقات انتخابية لهم انتهاء باستطلاعات رأي دورية لقياس شعبية البرادعي.و كما جاء في جريدة الشروق أن وكالة الأنباء الألمانية ذكرت في تقرير لها من القاهرة عن الاستعدادات لمبكرة للانتخابات الرئاسية أن قوى معارضة وحركات احتجاجية مصرية من بينها ائتلاف "مصريون من أجل التغيير" الذي يضم عددا من الشخصيات العامة ، والحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" بدأت في إقامة عدد من الدعاوى القضائية أمام محكمة القضاء الاداري بمجلس الدولة والمحكمة الدستورية العليا للطعن بعدم دستورية قانون مباشرة الحقوق السياسية الذي يضع شروطا على ترشح المستقلين للانتخابات الرئاسية اعتبرتها المعارضة" تعجيزية"". كما نرى أن هناك سرادقا للتأييد تم بناؤه بسرعة و هو أمر يستحق التدبر و التأمل
(ملحوظة هذا المقال كتب منذ فترة لهذا قد لا تكون كل ردود الأفعال مذكورة هنا)



بانتظار المخلص
تشكل عقيدة المخلص في الوجدان الجمعي العربي ركنا أساسيا له قدسية لا يجرؤ أحد على لمسها،ربما السبب هو أن كتاب التاريخ في بلدنا كانوا يركزون في كتابة التاريخ من وجهة نظر السلطان فيقولون "سير السلطان عساكره إلى كذا" أو "نازل السلطان بجيشه العدو بظاهر كذا" فالسلطان و لا شيء غيره و هكذا كان كثير من مؤرخينا و شعاراؤنا الذين كانوا قضاة أو كتابا للسلطان من رجال البلاط يرون الأحداث و الخطوب من فوق عمامة السلطان فهو رجل قليل المزاح عظيم الهيبة وقور الطلعة تهرب من سيرته خيل الأعداء و يرغب في صداقته الأقوياء و يصير الطين في يديه جوهرا و يصير الشعب المستسلم المهزوم ، منتصرا ظافرا.أما العوام فرأوا الأحداث و الخطوب في أيام الظلم من بين شقوق الجدران و تعرجات الحواري ليخرج أدهم الشرقاوي و سلفه علي الزيبق لينتصروا للعوام المظلومين و يعملوا لصالحهم ضد الطغاة بالقوة الفردية تارة و بالحيلة و الذكاء تارة ، ليظهر بطل يجسد كل أحلام الخلاص،يبطش بيد من حديد بدل من الأيدي المرتجفة المذعورة و يصرخ بالحق بدلا من الأفواه المكممة و يقف بنفس أبية ضد الظلم بدلا من النفوس المكبلة المكسورة.إننا امام طغيان الروح الفردية و الشخصنة و الاختزال في رواية التاريخ الذي يُتخذ دائما منطلقا للرؤية إلى المستقبل.إن القرآن الكريم و صياغته أسوة و قدوة لنا في صياغة حياتنا فكان حديثه الغالب عن المؤمنين أمة و جماعة،كان الرسول (ص) ليس رجلا خارقا استطاع بمحض قدراته الشخصية أن يجعل من هؤلاء المؤمنين خلقا آخر،بل الله و الله فقط هو من أنعم عليهم في تأكيد لأهم مبدأ في الإسلام و هو الوحدانية فيقول تعالى:وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) ( الأنفال)
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال } [ الرعد : من الآية 11] حتى حين تحدث الله سبحانه و تعالى عن حرب بني إسرائيل مع جيش جالوت بين ان من قاتل مع طالوت لم يكن من أجل طالوت لكن من أجل إيمانه بالله و صبره و احتسابه ، لم يحدثنا القرآن عن أن طالوت قتل نفرا من الأعداء أو أنه كان يجندل الأبطال بضربة سيف واحدة ، فقط أخبرنا جل شأنه:"{ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله } [ البقرة : 250ـ 251]
هكذا كان القرآن في احترامه للعقل البشري و تبصرته بسنة الله التي لا تتبدل و لا تتغير و في زمن الهزيمة الذي نعيشه لم تعد السيرة الشعبية تحتاج لعشرات السنين حتى تكتمل الحكايات و تنضج و تمتزج مزيجا يصعب فصله و رده إلى أصله لتخرج لنا سيرة متكاملة تنفس عن الشعوب المقهورة تنفيس صافرة إناء الطهي،بل و منذ انتشار الصحافة و جلسات الحديث الدائم في السياسة و مجموعات الفيس البوك و المدونات لم يعد الأمر بحتاج إلا إلى نقر على الفأرة و لوحة المفاتيح و تصميم جرافيكي و حجج نصف مخبوزة لنجد أننا بصدد بعض الأبطال الملهمين و طوفان من المنيات يتمنى عودة المخلص من عالمه الغيبي أو من سردابه أو حتى من القبر ، فالبخور يملأ المكان و السرادق معد و الدراويش يهتفون أن طال الانتظار فاخرج يا من ستجعل طيننا جوهرا و ترابنا ذهبا لامعا.

بولوتيكا!
حين خرج هذا المصطلح الشعبي خرج في فترة حرجة مليئة بالشعارات و الهتاف،امتلأت برفع الصوت بالحقوق فوق أي صوت كأن الحديث عن الحق يعطي كل شيء مجانا،حين يكثر الصخب و يتطاير اللعاب و تتشنج الأيدي و تلوى الأعناق لتكون بديلا عن الحجة و و ربما يصل بالمتطرفين من المؤيدين أصحاب السرادق إلى جعل المخالفين في الرأي - الذين يؤمنون بالحاجة إلى شعب ملهم لا بطل ملهم ،يؤمنون بثقافة الحقوق قبل الواجبات- موافقين رغما عنهم على الفساد و الدكتاتورية أو أنهم انهزاميين و ربما خياليين أيضا لأنهم يرفضون فكرة البطل الملهم الذي يغير بظهوره كل شيء و يملأ وحده الأرض عدلا بعد أن مُلأت جورا ! من الحكايات الطريفة و المهمة في ذات الوقت ، تلك التي حكاها مالك بن نبي في إحدى مقالاته قائلا:"كانت جدتي تقص لي العديد من قصص جحا، و إني لأذكر إحداها لما أرى فيها من دلالة بإشارة واحدة،على المعنى النفسي و المنهجي الذي أريد إبرازه في هذه السطور.
فقد كان جحا ذات يوم من أيام الشتاء الباردة يدفئ يديه مع بعض رفاقه ، وبينما هو حول نار موقدة في كوخ من تلك الأكواخ المنتشرة في المرتفعات الجزائرية إذا بالنار بدأت تخمد لنفاد الحطب.قال الجماعة:هلم نذهب فنحتطب في الغابة.و هرع كل واحد إلى عدته و توجه إلى الغابة و كذلك فعل جحا،ثم رجع كل واحد بحزمة حطب إلا جحا فقد استبطأه رفاقه حين لم يعد و قالوا:هلم نر ما صنع الله بجحا.و اقتفى الرفاق أثر جحا في الغابة حتى وجدوه في ناحية و هو يلف حبله حول المئات أو الآلاف من الشجر.سألوه: ماذا تصنع يا جحا؟
أجاب بطلنا:ألا ترونني أريد أن أحمل كل شجر الغابة مرة زاحدة حتى لا نعود فنحتطب كل يوم؟
ذهل الرفاق إعجابا بجحا و إكبارا له،بل خجلوا أمام محاولة ضخمة كهذه،خجلوا إذا لم يأت كل واحد منهم إلا بحزمة،ثم تضرعوا إلى جحا كي يترك محاولته هذه إلى يوم آخر،لأن لديهم ما يكفيهم ذلك اليوم بما احتطبوا هم"

ان الحديث عن إصلاح مجتمعنا على مذهب جحا-رغم أني أعوذ هؤلاء من سوء نيته- بهذه الطريقة العاطفية هو امتداد لخطاب معارض بعيد عن الموضوعية و الدقة ، يزعم أنه يريد أن يأتي بآلاف من أشجار الأماني بحبل واحد.نحن لا نرى كلمة عن منهج أي بطل ملهم يتم طرحه أو فكره بينما قناديل السرادق تزداد توهجا. إن الخطاب السياسي الذي لا يخطئ هو الذي يعانق الضمير الشعبي و الفعل الشعبي ، هو الذي يقوم على أفكار مجردة يتم تعديلها ذاتيا تبعا لقواعد الشعب الذي يحتضنها -و هي قلما تخط لأنها علم- لا افكارا مجسدة في شخص تتحول و تتغير تبعا لإطارها المجسد و هي السمة الأساسية للسياسة العاطفية تجد مسوغاتها -كما يقول مالك بن نبي- من خسارتها لا من مكاسبها: فكلما تقطعت أنفاس الثور، و نزف دمه في حلبة الصراع،ازداد هجومه على المنديل الأحمر.إن العيون المشوشة و أصحاب الرغبات في الخلاص السريع السحري و هم يفكرون برؤوسهم المشجوجة من عصي الظلم تخفق صدورهم اللاهثة بدقات التسبيح من أجل ظهور المخلص الذي سيخرجهم من هذا الكابوس المزعج،إنه منهم و هم منه، سيعمل لصالحهم و في المقابل سيحبونه و يهتفون له و يتزاحمون حوله و يصيرون مريديه و دراويشه فقط لو يظهر...لو!

عقدة النقص
للأسف الشديد يشعر كثير من مؤيدي الإصلاح في بلدنا بعقدة نقص بالغة تجاه السياسيين خاصة المشهورين منهم.إنها ذات العقدة التي شعر بها الحطابون و هم يرون جحا يلف حبله حول الأشجار بينما هم ينظرون في أسف إلى حزمة الحطب الهزيلة في أيديهم..نحن امام حالة اختزال واضحة للوطن كله في ترشيح غير مؤكد للبرادعي كمثال على عقدة المخلص التي نعاني منها ، أرى أشخاصا لا أنكر عليهم حبهم للوطن و لا انتماءهم له لكن الخلاف هنا هو عن الوطن و للوطن،مع احترامي للأستاذ عبدالرحمن يوسف ، فهو حين تحدث في مقاله عن رئيس لفترة انتقالية لم اجد سوى تفويض لمستبد عادل ، حتى التعليقات على الفيس بوك لم تخرج عن كونها تفويضا للبرادعي بعمل كل شيء.إن القول بمؤسسات و فترة انتقالية و أهل الخبرة لا أساس له بالمرة،إذ لو أن هذه المؤسسات موجودة بالفعل و لها وزنها فهي من تستطيع ان تفرض رجلا بعينه و حينها لن نحتاج لأحد من المشاهير فما هو في وجهة نظر المؤيدين لـ"نية" البرادعي للترشح سيتغير؟ (و بالمناسبة هي نية مرتبطة بشرط تعجيزي لا يمكن ضمانه كتابيا كما تعجب الأستاذ فهمي هويدي في مقاله عن تصريح البرادعي)سيقولون انتخاب البرادعي و وصوله لسدة الحكم و السلطة فإذا نحن هنا نتحدث عن تفويض و عن مهدي سيملأ الأرض بمفرده عدلا كما مُلأت جورا.إنني اعلم أنهم يرون أنه هذا ما يمكن أن يفعلوه للوطن في هذ الصدد لكني اختلف كثيرا معهم.
اننا يجب الا نشعر بالنقص أبدا امام حزم الحطب الهزيلة التي في أيدينا من مجهودنا للإصلاح و التنمية و التوعية ،يجب ان نفخر بها و نعمل على تنميتها ، يجب ان نفخر بهذه الحزم لأنها ليست كلاما على شبكة افتراضية و ليست أمنيات هلامية أو قصورا في الهواء.إنها حزم جمعناها بأيدينا تلبية لنداء الواجبات لا نداء الحقوق ، احتطبناها بالعمل لا بالتفويض للبطل الملهم،هزيلة نعم،لكنها حقيقة و في أيدينا و تكبر يوما بعد يوم و هي ذات الحزم التي تحدث عنها البرادعي أنه يجب ان يقدم كل شخص للوطن ما يستطيع و هو الآن علمه و أعماله الخيرية و توعية المصريين بتصريحاته و أحاديثه.في النهاية كما قال هو نفسه نحن نجتهد و قد أكون مخطئا لكن لا بد أن نفكر معا و نجتهد معا مهما كان النقاش ساخنا او حادا.ختاما أكرر أنني لن أشعر بعقدة نقص تجاه جحا مهما لف حبله حول الأشجار،إن البلطة لا تزال في يدي و هأنذا احتطب و حين ألف حبلي حول الشجرة أكون مؤهلا لأن انتزعها من جذورها لا ليشعر من أمامي بالخجل أمام أمنيتي.ومن يدري؟ربما نقتلع الشجرة قريبا

02 أغسطس, 2009

عن تحولاتي الفكرية

اليوم في اللقاءمع أعضاء منتدى روايات
تحدثت عن بعض من تحولاتي الفكرية و أجدني مهيأ للحديث عنها الآن .منذ صغري كانت عائلتي متشبعة بالفكر الصوفي كأي عائلة من أصل ريفي,حضرت الحضرة و أكلت مع الدراويش و طفت بالمقام,تطوحت معهم و قرأت الأوراد,وقفت في طابور طويل لتقبيل يد سيدنا.ثم لم أحب الموضوع و نفر عقلي منه.
بعدها صرت ناصريا عنيفا و قوميا و كنت أحب قراءة المقالات التي تتحدث عن هذا العصر و عن هذا الشخص.
بعدها احتككت بالفكر السلفي و صرت منتميا فكريا أو متعصبا فكريا لدرجة أن ابن حزم و أبو حنيفة لم يسلما من نقدي و ابن تيمية عندي كان مقدسا.
ثم أثر هذا على علاقتي بأسرتي و من المشاكل التي نتجت عن هذا الانتماء بدأت أفكر بشكل جدي أراجع نفسي.وقعت عيني على مقالات محمد عمارة في الأخبار,من يومها طلقت السلفية و انقلبت ضدهم للنقيض.قرأت لمحمد عمارة حتى أدمنته ثم الغزالي و محمد سليم العوا و بعض الفتاوى للقرضاوي.لكن حدث أن قرأت كتابا للغزالي لم اتفق معه في معظمه,لكني كنت حينها من النضج بحيث أعرف كيف الخلاف.
عرفت كيف أنقد عمارة و الغزالي و أقرأ لهما.
بحثت في أمور بسيطة خاصة بالحديث و العقيدة و وجدتني مقتنع فيها بفكر السلفية و قرأت لابن تيمية و فهمته و أحببته و انبهرت به بعمق و صدق أكثر من مرحلة التعصب.فوقفت آخذ من هذا و ذاك ؛من الإحيائيين و من السلفيين.
و هأنذا عدت إلى الصوفية أقرأ شعر إقبال و رسائل النورسي,لم أقبل بعض الرموز و التشبيهات من إقبال لكني احببت حديثهم عن القرآن و تأملهم و أناشيدهم التي ليس فيها توسلات,عدت إلى الصوفية اليوم لا لأقف في طابو طويل لتقبيل يد أو الطواف بشيخ في لحد ,عدت لأني وجدت فيهم بعضا من الخير أريده,ليست عودة تفضي إلى انتماء بل وقفت في كل مدرسة على ما ينفعني منها.فالحمد لله على نعمة الاعتراف بالخطأ و الحمد لله على نعمة الهداية,هدانا الله و الجميع ,آمين.

21 يوليو, 2009

مصر على ورق البردي

بعد نجاح ساحق لكتابهما الأول "حوار عواطلية" الذي صدر مع دارليلى للنشر و التوزيع,يعود الثنائي الساخر مرة أخرى مع دار الغد
ليصدرا كتابهما الجديد مصر على ورق البردي مستخدما العصر الفرعوني كأداة لاسقاط العديد من الموضوعات المعاصرة في أسلوب ساخر مميز.

الكتاب صدر منذ السبت الماضي,كل التوفيق للكاتبين العزيزين في مشوارهما الأدبي و من نجاح لنجاح بإذن الله

17 مايو, 2009

التحرير الحضاري..تحرير نفس


السلام عليكم و رحمة الله:
أثار انتباهي مقال الدكتور رفيق حبيب "متى يبدأ التحرير الحضاري؟" المنشور على موقع مدارك
http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1237705861928&pagename= Zone-Arabic-MDarik%2FMDALayout
لأنه يركز على قضية الاستقلال الحضاري في فترة التحرر الوطنية ما بعد الحرب العالمية الثانية التي كان في خطب زعماءها "الملهمين"
كلام كثير عن الاستعمار و الامبريالية دون كلمة عن التحرير الحضاري.
المغلوب...طفل لم يكبر
حين نريد الحديث عن هذه الفكرة فإنه من الأفضل أن نبدأ من وقت سابق على لفترة التي ركز عليها الكاتب لتكون عندنا صورة أوضح عن الاستعمار الحضاري.
بدأ الاحتكاك بين الشرق و الغرب إثر الهجمة الأوروبية التي بدأت بحملة نابليون لينقسم المقاومون إلى فريقين؛فريق رأى في رفض علوم الغازي و ثقافته استقلالا حضاريا فرض عليه حالة من العزلة و فريق رأى أنه يجب أن يجلس من علماء الغازي موقف التلميذ من الأستاذ.
هنا بدأت مسيرة-كما يقول مالك بن نبي- أشبه بمسيرة الطفل الذي يبدأ وعيه منبهرا بالكبار و يقلدهم في صور ساذجة و سطحية ظنا منه أنه يصير مثلهم.
بالطبع يكون هذا الأمر محمودا حتى يكبر الطفل و يصير يافعا يعتمد على نفسه لكن ما بالك فيمن يظل على نفس سلوك الأطفال؟
إنه بالطبع طفل متأخر عقليا أو تحول من طفل إلى "طفيل" لا يستطيع العيش مستقلا عن أشياء الكبار و أفكارهم.
بيد أن هذا التأخر ليس عيبا ولدنا به كما هو حال الأطفال ,بل هي عقد نقص واضحة تتفق مع ما قاله ابن خلدون في تقليد المغلوب للغالب لأنه يظن فيه الكمال و القوة و إلا فلم غلبه؟
لكنه لا يعبأ تماما بكون أنه غُلب لأنه تخلى عن حضارته و قيمه و هي أساس قوته ليصير عبدا لسيف المستعمر و من بعده أفكاره و أشياءه.
روح القبعة
هكذا خرج الكثير من قادة الاستقلال و التحديث في بلادنا يلبسون الطرابيش بينما تلبس روحهم القبعة.
إذا أخذنا مصر كمثال ,سنرى عهد الحداثة في أيام محمد علي و ترسيخ ما أسماه محمدعبده بالتربية الأدبية التي تشبه بإنبات بذرة في غير تربتهاعلى حد تعبيره,فصار لمصر الكثير من الأشياء من مصانع و مدارس و غيرها لكنها لم توجد أفكارا و روحا و ثقافة,تقدمت الدولة ولم تتقدم الأمة, فحين انقطع المدد عن هذا الإصلاح الطفيلي في عهد عباس الأول رجع الأمر لما كان عليه.
ثم جاءت حركات التحرر الوطني بعد استحكام الاستعمار و بدلا من إعداد برنامج للإصلاح معد من أجل بلادنا ,نرى دائما في صدر المطالب إقامة برلمان على النسق الأوروبي يقوم على تصويت شعوب صاحبة معدلات قياسية في الجهل و الأمية تنساق وراء الشعارات و تدور في دوامة من الانفعال لا الفعل,
من المشاعر لا الأفكار,فتتصور أن أي مناورة من المستعمر انتصارا ساحقا كمعاهدة 1936 التي أبرمتها بريطانيا مع مصر تحسبا لاندلاع الحرب العالمية الثانية.
عقلية استعمارية لا تفلس
بعد الحرب العالميةالثانية و بدء التحرر من الاحتلال العسكري المباشر و بداية الحرب الباردة ,بدت المنطقة كما أشار الكاتب "كأنها" مستقلة.
لكنها في الواقع كانت تتعرض لاستعمار من نوع جديد؛فبدلا من الحديث عن دور الاستعمار في رقي المستعمرات و أبنائها الذين لا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم, تحول الحديث إلى تنمية الدول النامية (المستعمرات سابقا) عن طريق المعونات الاقتصادية المباشرة للحكومات المستقطبة بين معسكري الشرق و الغرب. بدلا من عقلية القطن و الموز و الاحتلال الكامل و المندوب السامي حلت عقلية البترول و الغاز و القواعد العسكرية و الخبراء الأجانب.
انتشرت كذلك بعض مذاهب الغرب كالشيوعية و الوجودية و غيرها في الحقبة الناصرية و حوربت كل مظاهر الهوية المحلية,فتم تأميم الأزهر كما فعل محمد علي من قبل و ترسيخ تربية أدبية جديدة رمت الطربوش للأبد و صارت أسيرة ثقافة المستعمر رافعة شعار معارضة الإمبريالية و الاستعمار و الدعوة لعدم الانحياز.
إسرائيل...نتيجة تحولت إلى سبب
نتيجة لتراكمات التبعية الحضارية و السياسية و التآمر الاستعماري جثمت إسرائيل على أرضنا في عام 1948 و ظهر اهتمام حركات التحرر الوطني بالقضية خصوصا بعد ثورة يوليو...لكن على طريقتها.
تم النظر للقضية على أنها قضية استعمار عادية و ليس استعمارا محصنا بملايين المستوطنين كما أشار الكاتب,فقامت تلك الحركات بتجاهل البعد الحضاري و الديني و أبعدت التيار المنطلق من هذه الأبعاد الممثل في تيار المفتي أمين الحسيني و إسناد المقاومة لأصحاب أيدولوجية غربية تكافح الاستعمار المسلح معتنقة الاستعمار الحضاري لتبقى إسرائيل عقبة كؤود أمام التحرر الوطني الفعلي ليزيد تخريب حضارتنا التي صارت أطلالا من قبل و يُحرم ديننا من حق الدفاع عن وجوده وسط اصحاحات و وعود إلهية تُرفع بالباطل.
الأسلمة و عقدة النقص
اقتصر حديث الكاتب عن التبعية الحضارية على حركات التحرر الوطني انطلاقا من أحداث الحرب على غزة بينما إذا انطلقنا من العموم سنجد أن الإسلاميين كذلك لم يسلموا من هذا الأمر.
في الاقتصاد مثلا استطاع البعض أن يفصل بين الاشتراكية و حاضنها الإلحادي فيما سمي بالاشتراكية الإسلامية و من نفروا من هذا الحاضن ,اهتدوا إلى ما سُمي بالرأسمالية الإسلامية.
كان هذا محمودا بالطبع في بداية احتكاكنا بهذه النظم لكن الاقتصار عليها و عدم اعتبار خصوصياتنا الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية لا يختلف عن حركات التحرر الوطني التي فشلت في تطبيق الاشتراكية في سوريا أيام الوحدة مع مصر
و فشلت في جعل الاقتصادي الألماني "شاخت" ينجح في أندونيسيا كما نجح في ألمانيا الغربية.
قد نعزو هذا لكون الإسلاميين لم يتقلدواالحكم كما في حال الحركات الوطنية لكن حتى على مستوى التنظير لم يزل الأمر عالقا في الغال ببين الخيارين سالفي الذكر.
كذلك موجة الإعجاز العلمي جعلت الكيمياء و الفيزياء و غيرها – النسبية التي تتغير بتغير الأبحاث و الاكتشافات –تحكم بصحة المطلق القرآن و السنة الصحيحة لا العكس.
هذا يدل على عقدة نقص لأن هذا الخطاب صار موجها للمسلمين أكثر منه دعوة الغرب للإسلام باللغة التي يعرفها.
إن الطبيب المسلم الفذ لم يكن يتهالك أن يدلل على صدق النبي (ص) بحديث الحجامة و او حتى يبحث عن صدق حديث الذبابة ليثبت أن الإسلام من عند الله أو أن النبي (ص) لا يكذب.
هو يؤمن بدينه و لا يشعر بالدنية فيه و صار الإسلام الدافع له ليبدع و يبرع بعد مرحلة من التعلم من علوم اليونان و الفرس و الهند لتشب حضارتنا الغابرة و تصير لديها أفكارها و "أشياؤها" مما مكنها من النمو بشكل طبيعي و التحول من التبعية إلى المنافسة أو الدفع الذي يعمر الأرض و تحدث عنه القرآن الكريم.
تيار غزة...هل ينجح؟
مثلت حرب غزة ضربة قاصمة لبقايا جيل حركات التحرر الوطني القديمة لتجهز على ما تبقى من صورته التي تلقت ضربة قاصمة في عام 1967 و تؤذن ببداية جيل جديد يعي البعد الحضاري للصراع ضد الاستعمار المباشر و غير المباشر الذي تقوده الولايات المتحدة و إسرائيل في سائر بلداننا كما ذكر الكاتب باستثناء بعض أبناء هذه التيارات الذين فصلوا بين خلافهم الفكري و بين حركات المقاومة الإسلامية و بين دعم المقاومة سواء إعلاميا كحزب الكرامة ممثلا في زعيمه حمدين الصباحي أو حتى عسكريا كما هو الحال في اشتراك الجبهة الشعبية في المقاومة.
لكن هذه الكلمات ليست كافية,فيجب إذا على التيار الوليد أن يتجاوز مرحلة الطفولة ليبدع في إطار من روح الإسلام و حضارته إصلاحا و تنمية تراعي خصوصياتنا السابق ذكرها.
كذلك عليه التعامل بروح من الإخلاص وإنكار الذات مع الانقسام لذي يسود الأمة و ألا يختزل النجاة في ذاته لينكل بمخالفيه كما فعل من سبقه و نعود لعصر القادة الذين يبدون ملهمين.
الجدير بالذكر كذلك أن النهضة و التحريرالسياسي و الحضاري ليست مسؤولية
حركات المقاومة وحدها بل أيضا مسؤولية الشعوب التي يجب أن تفعل شيئا هذه المرة .
إن انفعال الأمة و خروجها في مسيرات تأييد حاشدة لهذا الجيل أيام حرب غزة مع استمرار عقدة النقص ليس كافيا حتى لا يتكرر نفس السيناريو السابق فنلبس العمامة و روحنا لم تخلع القبعات بعد.
فاليد العاملة و الجسد الصحيح و من قبلهم عقل يعي مهمته و رسالته من تقليد فمحاكاة فابتداع هو الذي سيشفي هذه الأمة من مرض الكلام.إن الحديث عن تطبيق عملي على مستوى الأمة لهذه الكلمات هو أكبر من المقال و من كاتبه لكن حسب كل منا أن يفعل ما يستطيع في محيطه و ينزع القبعة من على روحه.

06 أبريل, 2009

الإضراب...كمان مرة

أكتب هذه التدوينة و لا أتوقع نجاحا كالمرات التي سبقتها.
دعوت من قبل لقراءة التاريخ من شهرحين نشرت التدوينة السابقة عن الإضراب في أحد المنتديات لكن ما من مجيب .
الموقف الذي نحن فيه حدث قبلا في عهد الدولة العثمانية في مصر؛حين كان المماليك من يتحكمون في الأمور و الباشا العثماني لا حول له و لا قوة في قلعة الجبل.
المهم أنه اشتد ظلم محمد بك الألفي و طبعا كله على حساب الخلق و بفلوس الضرايب اللي زادت على الحد.
فذهب شيخ الأزهر إلى إبراهيم و مراد بك فلم يكترثا لللأمر.هنا يصل الموقف إلى أن شيخ الأزهر الذي كان يلعب دور المثقف و السياسي و الفقيه و الزعيم الشعبي الشيخ الشرقاوي (ربنا يسامحه بس ده مش موضوعنا) هيج الناس اللي مخنوقة أساساو قفلوا الجامع الأزهر قفلوا المتاجر (أي ما نسميه اليوم الإضراب العام) و تزاحموا أمام بيت إبراهيم بك.:
فجمع الشيخ الشرقاوي علماء الأزهر وتشاوروا في الامر مليا، فانتهوا إلي إنذار الامراء جهرة بالمقاومة، واتفقوا علي اغلاق ابواب الجامع ودعوة التجار، واعلان ما نسميه اليوم 'الاضراب العام'. ثم ركب الشيخ الشرقاوي والعلماء في اليوم التالي وتبعتهم الجماهير إلي منزل الشيخ السادات لإشراكه واشراك اتباعه معهم في مقاومة الامراء حتي يستجيبوا إلي مطالبهم،
وكان لإبراهيم بك كبير الامراء قصر بجوار بيت السادات فرأي هذه الجموع التي لا تكف عن التجمهر وهالته كثرتهم، فارسل يسأل عن سبب اجتماعها، فلما علم بالسبب لم يجسر علي الذهاب بنفسه إلي مكان الاجتماع واناب عنه الدفتردار ايوب بك للاستماع لأقوال العلماء والسعي في تحقيق مطالبهم ، فعلم منهم انهم يريدون كف المظالم وصيانة الاموال والارواح ورفع الضرائب والمكوس، إلا ما يرتضيه الرعية. فخاطبهم ايوب بك في تخفيف بعض المطالب والاكتفاء بتعجيل بعضها مما يستطاع انجازه لوقته، وقال: ان رفع المكوس والضرائب دفعة واحدة متعذر، وانه قد ترفع شيئا فشيئا، وإلا 'ضاقت علينا المعايش والارزاق'
فصارحه العلماء قائلين: ان الامراء ينفقون الاموال فيما لا حاجة به فلا خير فيه. وما الحاجة إلي انفاق المال في البذخ و الترف والاستكثار من الجواري والمماليك؟
ان الاميريعطي ولا يأخذ ما في ايدي الناس وان الانفاق علي اللذات وضروب الزينة الخاوية اسراف وسفه.
خلع الطاعة:
في ذالك المجلس لم يستمع العلماء جوابا شافيا، فباتوا ليلتهم في حرم المسجد علي ان يخرجوا في الصباح إلي الميادين والساحات العامة معلنين الامراء بخلع الطاعة والاستجابة إلي احكام الشريعة فبادر ابراهيم بك إلي طلب المعذرة منهم، واحال التبعة في رفض مطالبهم إلي إصرار المخالفين له من امراء المماليك وعلي رأسهم شريكه في الحكم مراد بك وابلغهم انه يؤيدهم ويحارب في صفوفهم اذا اصر المخالفون علي الرفض والمراوغة،
وكاشف مراد بك في الامر مستحثا له عمل شيء عاجل لتهدئة المدينة قبل انفجار الشعب كله بالعصيان.وكان الباشا الاكبر الوالي العثماني يرقب الحالة لينظر ما يصنعه امراء المماليك لتدارك الخطر قبل استفحاله، فلما كان اليوم الثالث ولم يصنعوا شيئا:
قصد الباشا إلي قصر ابراهيم بك وجمع هناك كبار الجند واصحاب الكلمة النافذة في عساكر المماليك وارسلوا إلي العلماء والرؤساء يدعونهم للمشاورة ويعدونهم بإبرام الامر علي ما يحبونه وحضر من رؤسائهم كل من الشيخ الشرقاوي، والشيخ الامير، والشيخ السادات، والسيد عمر مكرم، والشيخ البكري، وهم نواب الامة المختارون لهذه الملمات وانفض الاجتماع بعد طول الاخذ والرد بقبول ما طلبه العلماء وكتابة موثق بذلك علي الامراء ان يتبعوه ولا يخالفوه، ووقعوا جميعا علي 'الحجة الشرعية' التي تسجل هذا الموقف وخلاصتها : ان يدين الامراء بقضاء المحاكم في قضايا الحقوق، وان تفرض الضرائب بموافقة الرعية علي حسب الاحكام الشرعية، وان يمتنع حرمان الحاكم علي المحكومين بغير جريرة، وسميت هذه الوثيقة 'بالحجة الشرعية' علي عادة قضاة الشريعة في تسمية هذه العقود.
ثم نختتم بقول راوينا الجبرتي في رائعته عجائب الآثار:"وفرح الناس وظنوا صحته وفتحت الأسواق وسكن الحال على ذلك نحو شهر ثم عاد كل ما كان مما ذكر وزيادة ونزل عقيب ذلك مراد بك الى دمياط وضرب عليها الضرائب العظيمة وغير ذلك‏.‏ "
و الله على ما أقول شهيد.
كتبته في مايو عام 2008 و لا أتوقع تغيرا كبيرا في مايو 2009

عن الاضراب نتحدث

السلام عليكم و رحمة الله:
لم أشأ أن أضيف ردي هذا قبل يوم ستة إبريل حتى يفعل كل واحد ما يريده و حتى لا يقال أن العبد لله يكسر مجاديف أحد.
رأيي يمكن الحديث عنه في عدة نقاط:
1-أولا ماهي أهدف الإضراب:الغلاء...لن يتأثر بإضراب يوم
الفساد ... لما الموظف إما يقبل رشوة يتنشر عنه ف الجرايد مش العكس نبقى نتكلم عن الفساد.تقضية واجب..زي كل حاجة معظم الناس بتعملها لا تعليق سوى تغيير النظام..طيب لو الحكومة صحيت الصبح و قالت مش طالباها معانا حكم و إحنا زهقنا مين هايحكم مصر؟جاوبوا ع السؤال ده الحكاية مش إننا نغير الحكاية إيه اللي بعد كده.
2-نقلع و لو للحظة عن لعب دور الشهداء.الحكومة هي تجسيد لحسنات و سيئات مجتمعمجتمع لا يلتزم بالوقت و لا يحترم كلمته فأعطانا الله حكومة لا تبيعنا سوى الكلام.مجتمع لا ينتج فأعطانا حكومة لا تعمل, مجتمع ضعيف عن اتخاذ أي موقف و يحكم من منازلهم فأعطانا حكومة لا تستطيع أن تأخذ أي موقف مناصر للقضايا العربية مثل تركيا حتى بأت أشك أنهم عرب, مجتمع يمارس كثير منه التسلط كمدرس و مدير أو ضابط كثير سؤمن أن المرؤوس المثالي لم يخلق بعد و إذا وجد فيجب أن يسحق
تربينا بطريقة الإجابة النموذجية و دليل التقويم تربينا على السخرية من العلم و الإبداع عايزين الحكومة يبقى شكلها إيه؟
3
-التربية لا التهييج:المشكلة في التهييج إنها بتعتمد على ظرف و على شحنة غضب تخاص و تقعد وقت طويل عشان تشحن حتى لو الظرف مازال مستمرا.المشكلة إننا مش متربيين اجتماعيا و سياسيا صح.لا أتحدث ن أفراد بل عن مجتمع.ممكن تهيجج الناس إنهم ماينزلوش من بيوتهم أو يزعقوا ف الشارع لكن ساعة الجد اللي يعني حياة أو موتسترى وجها مختلفا بدا بعضه اليوم عند كثير ممن أزمعوا التظاهر.
4-الإضراب في حجمه:الحقيقة أن نصف المضربين على أقل تقدير لم ينزلوا خوفا مما يمكن أن يلاقوه و القلق للي ف البلد.وضح ذا في تزايد طلب الأجازات أمس بشكل ملفت في الهيئات و المصالح الحكومية.كذلك لن يسفر الأمر سوى عن اعتقالات جديدة و هدوء الشحنة التي سسنتظر كثيرا حتى تعود.
5-دعوة لقراءة التاريخ:شباب يجب أن نؤمن أننا كيفما نكون نول علينا ابدء بتغيير نفسك أولا ثم بمن حولك.ضع لنفسك شيئا تقدر عليه بدلا من الاقتصار على الحديث و الصراخ الذي يسلمك لحالة من اليأس و الاحباط تجعلك طفلا تلقي بالتبعة على كل شئ و أي شئ حتى الوطن.أعداؤنا نجحوا بطول نفسهم فلم لا نكون مثلهم.خذ نفسا عميقا و ضع لنفسك خطة للإصلاح بالتدريج و إذا لم تنجح فلم تخسر شيئا لإن كل شئ عندئذ محصل بعضه.
تذكروا أن المصريين في يوم من لأيام باعوا جلاليبهم عشان يشتروا نبابيت يقفوا بيها قدام بنادق خورشيد باشا والي مصر و بعد ما اتسحلوا ف الشوارع جه محمد علي و سرق الثورة منه.قيس على كده حاجات كتير أخف منها مظاهرات يناير أيام السادات أدت لإيه؟العمل و الإصلاح مش تأدية واجب.اعلموا أن الشعب الملهم لا يمكن أن يسرق ثورته أي قائد مهما ادعى إنه قائد ملهم ألهمنا الله لما فيه الصواب.
ملحوظة بسيطة:من أهم مميزات مصرنا الحبيبة أن لاشئ يتغير لذا أنوه أن هذه لمقال طبعا كما لاحظتم عن السادس من إبريل العام الماضي وجدت أن الوقت الآن مناسب لنشرها.

10 مارس, 2009

عن توقيف البشير

السلام عليكم و رحمة الله:
هي المعضلة الرئيسية في أي دولة متعددة الأعراق و الديانات.
حين تغيب العدالة و يتم التعامل مع أزمة الوطن و الهوية تعاملا أمنيا,
نفس التعامل الذي أعطى لجمال باشا السفاح الحق في التنكيل بالعرب و ذبح العديد منهم حين كان واليا عثمانيا على سوريا وكانت تمر بالدولة العواصف و الأزمات
نفس التعامل الذي جعل صدام يفعل ما فعل ضد الشيعة و الأكراد
حين يتبدى وقتها أن سبيل انقاذ الوطن يكمن في حكم عصبية ما له وليكن ثمن ذلك سحق الجميع بلا تردد.
أنا لست ضد استخدام القوة لمنع انفصال جزء من أي وطن,لكن برب الكعبة لا تسحق هذا الجزء و تحطمه و تهمشه و تحرمه من أسباب الحياة ثم بعد هذا تقوي أعوانك فيه ليحفظوه و ترضضي طموحهم و نفوذهم لتي لا تختلف كثيرا عن أطماع قطاع الطرق ثم تقول أن الأعداء هم الذين يحركون الفتنة و أن كل شئ تمام!
فبدلا من حكم ديمقراطي كالذي أراده الجنرال سوار الذهب (و هل معادن الناس من أسمائها؟) تصبح شعارات النخبة الحاكمة في الخرطوم هي "الإنقاذ" و محاربة "المرتدين" !
الحقيقة أن ما يحزنني هو تمترس هذه النخبة بشعار تطبيق الشريعة في كل الأفعال الخرقاء التي قاموا بها,لا يمكنني تحميلهم أزمات الوطن و الهوية في السودان و التي ترجع تاريخها إلى زمن الاستعمار البريطاني
لكن يمكنني باطمئنان اتهامهم أنهم لم يتحلوا بالحكمة و النزاهة و صفات الحكام الراشدين في الإسلام.
لو كان الأمر تطبيق للشريعة فبإمكانهم أخذ فتوى المذهب المالكي( و التي و إن كنت لا أتفق معها إلا أنها مناسبة أكثر لظروف السودان) بتطبيقها على المسلمين فقط و هو ما يؤخذ به في بعض الولايات النيجيرية واحترام هوية الجميع و دياناتهم و ثقافاتهم و تأسيس حكم قائم على العدالة و النزاهة و طهارة اليد
شد ما يحزنني تمترسهم بأنهم هم من يحفظون السودان و أقسم أنهم لو اتفقوا على تضييعه علنا لن يرتكبوا كم الحماقة و الفساد و القمع الذي يرتكبونه الآن
شد ما يحزنني أننا يجب أن نقف موقف المندد لأنه في أول الأمر و آخره حاكم عربيلكني لا أخفي رغبتي في أن أراه يتلقى العقاب العادل لكن بأيد عربية عادلة